عن تشريح الجحيم


عن تشريح الجحيم The Anatomy of Hell

ريتشارد. ج. إيفانز (Richard J.Evans)

ترجمة: علا التميمي

تحظى مخيمات الاعتقال النازية في المخيلة الشعبية بميزة أساسية باعتبارها المكان الذي تم أخذ اليهود إليه وقتلهم فيه باستخدام الغاز. في استطلاع ألماني للرأي أجري مؤخراً كانت آراء معظم المستطلعين تربط ما بين المخيمات وفكرة قتل واضطهاد اليهود. بينما أشار أقل من 10% إلى مجموعات أخرى من المعتقلين مثل: الشيوعيين، والمجرمين، أو مثليي الجنسية. قوة “المحرقة/ الهولوكوست” كمفهوم وكفكرة عملت
على طمس كافة الجوانب الأخرى للجريمة النازية ومعاناة الضحايا الآخرين، كما أنها تحكمت بتاريخ المخيمات في الذاكرة الثقافية. لا توجد جريمة في تاريخ البشرية تفوق جريمة إبادة ستة ملايين يهودي أوروبي بناء على أوامر زعيم ألمانيا التي كانت تعرف باسم “الرايخ الثالث”. مع ذلك، فإن الغالبية العظمى من الضحايا اليهود لعمليات القتل الجماعي التي مارسها النازيون لم يقتلوا في المخيمات؛ بل تم إطلاق النار عليهم، تجويعهم حتى الموت، وتركهم ليموتوا من الأمراض التي يمكن الوقاية منها أو علاجها بسهولة. وعليه بطريقة أو بأخرى لم تكن مخيمات الاعتقال مرادفاً ل “الهولوكوست/المحرقة”.

في حين أن مرافق مثل (تريبلينكا أو أوشفيتز بيركيناو) شيدت لأغراض القتل الجماعي، وتم إنشاؤها لأول مرة خلال الحرب العالمية الثانية، إلا أن ( نيكولاوس فاكسمان Nikolaus Wachsmann) يخبرنا ويذكرنا في دراسة جديدة موثقة أن تاريخ معسكرات الاعتقال يبدأ قبل ذلك بكثير. تعود فكرة تركيز أعداء الدولة في مخيم على الأقل إلى نهاية القرن التاسع عشر، وترافق ذلك مع اختراع الأسلاك الشائكة، والمدفع الرشاش في حرب (البوير)، والحرب الأمريكية – الإسبانية. جسد السوفييت فكرة المعسكر عبر نظام معسكرات العمل، وغيرها من منتجات الديكتاتورية في القرن العشرين، لكن لم تشكل هذه المخيمات نموذجاً للمعسكرات النازية، ولم تكن تشبهها في جميع النواحي، وإن تشابهت أحياناً في بعض الخصائص. على سبيل المثال، نجا 90% من السجناء الموجودين في معسكرات العمل السوفيتية، بينما في معسكرات وحدات الحماية الوقائية (شوتس شتافل- تعرف إختصاراً إس إس) التي أنشأت زمن الحرب كان يتم تسجيل السجناء فور وصولهم ولم يكن يتم قتلهم مباشرة، وكان معدل البقاء على قيد الحياة أقل من النصف. من نحو 2.3 مليون رجل وإمرأة وطفل تم وضعهم في معسكرات الاعتقال النازية في الفترة الواقعة بين 1933- 1945، فقد أكثر من 1.7 مليون شخص حياتهم، منهم ما يقارب مليون يهودي قتلوا في (أوشفيتز).

تبدأ سردية (فاكسمان Wachsmann) الإنسانية مع تأسيس أول معسكر/مخيم اعتقال نازي حيث كان في مصنع مهجور للذخيرة خارج مدينة (داخاو) بالقرب من ميونيخ. خلال النصف الأول من عام 1933 عندما سيطر هتلر على كافة تقاليد الحكم وأمسكها بنفسه، كانت المخيمات/المعسكرات المؤقتة قد انتشرت في جميع أرجاء ألمانيا، وذلك من أجل اعتقال الشيوعيين والديموقراطيين الإشتراكيين، والجماعات السياسية الرئيسية التي قاومت سيطرة النازية على السلطة بالقوة. لاحقاً أغلقت هذه المعسكرات تدريجياً، وتم الإفراج عن السجناء وكان كثيرٌ منهم قد تعرضوا للضرب المبرح والتعذيب (تشير التقديرات الرسمية إلى أن أكثر من 600 سجين قتلوا على يد النازيين) وتم منعهم من المشاركة في النشاطات السياسية. يشير (فاكسمان Wachsmann) في كتابه السابق سجون هتلر (2004) أن وظيفة القمع السياسي أصبحت تنفذ من قبل الشرطة والمحاكم وسجون الدولة العادية والإصلاحيات.

تحولت معسكرات الاعتقال المتبقية والتي كانت تحوي ما لا يقل عن أربعة ألالاف سجين بحلول عام 1935 إلى قواعد للتخلص ممن صنفهم النظام النازي على أنهم لا اجتماعيين/كاسري القيم/ متجاوزي القيم (asocials): مدمني الكحول، المتشردين، المثليين، والمنحرفين اجتماعياً. بحلول عام 1939 كان هنالك ستة من هذه المخيمات/المعسكرات تقع في (رافنزبروك، زاكسين هاوزن، داخاو، فلوسنبورغ وبوخنفالد) جميعها في الرايخ القديم، بالإضافة إلى (ماوت هاوزن) والتي تم ضمها من الأراضي النمساوية. خلال الحرب شهد الاقتصاد الألماني نقصاً متزايداً في نمو الأيدي العاملة، حيث ملايين الرجال على الجبهة، وملايين النساء في البيوت، ذلك أن بقائهن في البيوت يمثل شكلاً من أشكال الطاعة للصورة النازية عن النساء بوصفهن فقط أمهات وربات بيوت، ورافق ذلك دعماً سخياً من النظام النازي ليكنّ أمهات وربات بيوت. في ذلك الوقت تحولت المخيمات إلى مراكز للعمل القسري، مدعومة بالمخيمات الصناعية الفرعية والتي انتشرت كالسرطان في جسم الرايخ الألماني.
كانت ظروف احتجاز العمال جداً قاسية، حيث صاغت النازية مصطلحاً صنفت الكثير منهم تحت إطاره وهو “الإبادة من خلال العمل”. كان لدى معسكر (أوشفتيز) وظيفة مزدوجة تتمثل في تزويد الاقتصاد بالعمال من جهة،وإبادة ما يقارب مليون يهودي من جميع أرجاء أوروبا من ناحية أخرى. مع نهاية الحرب كان هنالك أكثر من سبعمائة ألف عامل سخرة احتجزوا في شبكة المخيمات/المعسكرات الرئيسية والمخيمات الفرعية حيث تدهورت فيها الأوضاع بشكل متسارع، وأكثر من نصف العمال لم ينجو من الحرب.

كم من السجناء كانوا فعلاً من اليهود؟ في معظم فترة وجود المخيمات وصولاً إلى المرحلة الأخيرة من الحرب، يعتقد (فاكسمان Wachsmann) أن اليهود شلكوا ما لا تزيد نسبته عن 10 % من عدد السجناء. (كيم فونشمان KimWünschmann) في دراسة ممتازة عن هذا الموضوع – أنجزت كجزء من مشروع بحثي على نطاق أوسع تحت إشراف فاكسمان Wachsmann – تعتبر أنه كان 150.000- 200.000 من الألمان المحتجزين في المعسكرات/المخيمات عام 1933 أثناء استيلاء النازيين على السلطة، من بينهم حوالي 5000- 10000 يهودي، أي 5% من سكان المخيم وذلك حتى منتصف عام 1938. ينبغي لهذه الأرقام المنخفضة أن لا تفاجئنا، حيث أن اليهود الذين يتم تعريفهم وتحديدهم حسب ديانتهم كانوا يشكلون أقل من 1% من سكان ألمانيا حتى العام 1933، لكن على الرغم من العدد المنخفض إلا أن تمثيل اليهود في المخيمات كان يزداد منذ البداية.

يوضح فونشمان Wünschmann أن معظم اليهود المسجونين في المخيمات كانوامن رجال الأعمال والمهنيين الذين هم في منتصف العمر. كانوا هنالك لمجموعة واسعة من الأسباب. أولاً، في الفترة 1933- 1934 كان معظمهم من السياسيين والنشطاء اليساريين والصحافيين السياسيين، أو رجال أعمال تم إدانتهم بارتكاب ممارسات فساد وأمور جنائية. في وقت لاحق، بعد إصدار قانون نورمبرغ للسلالات عام 1935 انضم إليهم رجال اعتقلوا لوجودهم/ لتواطأهم مع نساء غير يهوديات. اعتقل بعض اليهود بتهمة المثلية الجنسية وتم اقتيادهم إلى المخيمات بعد إطلاق سراحهم من السجن. بعد ذلك، في منتصف الثلاثينات تغييرت وظيفة المخيم/المعسكر لتصبح مراكز إيواء لمن صنفوا أنهم لا اجتماعيين/كاسري القيم. قام النظام بهجوم لا هوادة فيه على الوضع الاقتصادي لليهود وواصل حملته لإخراج اليهود من أعمالهم ومهنهم، الأمر الذي أدى إلى جلب المزيد منهم إلى المخيمات كونهم كسالى غير راغبين في العمل وجلب من تورطوا في أعمال إجرامية يائسة من أجل البقاء على قيد الحياة.

بعد أن ضم النازيون النمسا في مارس/آذار 1938 كان هنالك حملة اعتقالات جماعية لليهود، معظمها في فيينا، بالإضافة إلى معارضي النازية، ومناصري الاستقلال النمساوي. فيما بعد تم إرسال المعتقلين إلى (داخاو)، وتم تصنيفمن 2000- 3500 من هؤلاء المعتلقين كيهود. في يونيو/حزيران 1938 بناء على أوامر (هيملر Himmler) تم جمع من كانوا في معتقلات الرايخ القديم أمثال المتشردين، المنحرفين، وصغار المجرمين وإرسالهم إلى المخيمات/المعسكرات بالإضافة إلى جلب آلالاف من اليهود. في سياق هذه الأوامر كان هنالك 13 % من 6224 رجل تم أخذهم إلى المخيمات، 19 % تم أخذهم إلى (داخاو)، وكان ما لا يقل عن 53% من الذين وضعوا في بوخنفالد يهود: أضيف 2259 يهودي إلى مجموع سكان المخيم.
في نوفمبر/تشرين الثاني عام 1938 أمر هتلر بإلأقاء القبض على 30.000 يهودي أثناء ما عرف بالمذبحة التي أطلق عليها أهل برلين ساخرين اسم “ليلة الكريستال/ ليلة شظايا الزجاج- Reichskristallnacht” وذلك بسبب الشظايا التي ملأت شوارع وبلدات المدن الألمانية على إثر تحطيم النازيين لنوافذ 7500 متجر يهودي في 9-10 نوفمبر، فضلاً عن حرق أكثر من ألف معبد يهودي في جميع أرجاء ألمانيا. وكانت هذه المرة الأولى التي صدرت فيها أوامر لاعتقال اليهود لمجرد أنهم يهود. أشار أحد السجناء في (بوخنفالد) إلى أنهم كانوا في حيرة من أمرهم:

“تم فقط إحضار يهود، ويهود ويهود، بالعشرات ثم بالمئات ثم بالألوف وكانوا جرحى، ومرضى، ومصابين بالكسور، ويعانون من شلل في الأطراف، عيون مفقودة، جماجم مكسور، ميتين، وأنصاف ميتين.”
يشير التقرير أيضاً إلى أن السجناء قد تعرضوا لأقسى درجات العنف والتعذيب من قبل قوات الأمن، كما أن المخيمات/معسكرات الاعتقال لم تكن معدّة لاستقبالهم، حتى بدون الضرب والتعذيب كانت ظروف الاعتقال جداً قاسية.

تم الإفراج عن معظم اليهود الذين اعتقلوا عام 1938 قبل الحرب، خرج عدد لا بأس به بعد رشوة إدارة المخيم/المعسكر أو بيع ممتلكاتهم وشركاتهم إلى السلطات المحلية بأسعار منخفضة. الذين ألقي القبض عليهم في نوفمبر كانوا أول من تم إطلاق سراحهم، لكن تم حلق رؤوسهم قبل الإفراج عنهم ،وذلك لتمييزهم من قبل العامة بأنهم سجناء سابقين. كان هدف النظام أن يهاجر هؤلاء المعتقليين، وكان عليهم أن يوقعوا وثائق خروج قبل الحصول على حريتهم. قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية في سبتمبر/أيلول 1939 كان نصف عدد السكان اليهود في ألمانيا قد هاجروا تاركين وراءهم كبار السن فقط. مرة أخرى تراجع إجمالي عدد السكان اليهود في المعسكرات/المخميات إلى معدلات أقل من فترة ما قبل 1938، بلع إجمالي عدد اليهود في معسكرات الاعتقال التابعة لوحدات (إس إس) إلى نحو 1500 من أصل 21.400.
هكذا وقبل اندلاع الحرب يكون قد نجا معظم اليهود الذين كانوا معتقلين في المخيمات/المعسكرات النازية. على الجانب الآخر، فيما يتعلق بأحداث نوفمبر كان هنالك سجناء آخرون قد أحضروا إلى المخيمات/المعسكراتبذريعة أنهم يهود، وكانوا بمجرد دخولهم للمعسكر يتعرضون للتعذيب بطريقة وحشية، لكن في حقيقة الأمر كانت هذه مجرد ذرائع، على سبيل المثال أول أربعة سجناء قد قتلوا في (داخاو) كانوا شيوعيين ولم تكن صدفة أنهم كانوا أيضاً يهود. في عام 1933 مع كل حمولة سجناء جدد كانت تصل إلى مخيمات (إس إس) كان يتم اختيار اليهود وضربهم بطريقة وحشية، في مخيمات أخرى تمت معالمتهم بطريقة وحشية وسادية. من أواخر الثلاثينات فصاعداً أجبر السجناء اليهود على وضع شارة خاصة بهم تشير إلى أنهم يهود، وذلك بدلاً من المثلثات الملونة التي كانت تشير إلى أنهم سياسيين، أو مجرميين، أو كاسرين للقيم (لا اجتماعيين)، هذا الإجراء جعل من اضطهادهم أسهل من ذي قبل.

منذ عام 1941 وصاعداً بدأ برنامج النازيين للإبادة الجماعية بالتكشف والظهور للعلن، تم أخذ السجناء اليهود إلى مراكز الإبادة، تم قتلهم جنباً إلى جنب مع اليهود الآخرين الذين تم إحضارهم من كافة أرجاء أوروبا التي كانت تحت سيطرة النازيين. في الوقت الذي وضعت فيه الحرب أوزارها احتاج النازيون للمزيد من الأيدي العاملة للمساهمة في اقتصاد الحرب، وعليه فقد أحضروا المزيد من اليهود إلى المخيمات/ المعسكرات أكثر من أولئك الذين أحضروهم إلى غرف الغاز، في هذه المرحلة أحضروا الرجال، وكبار السن والصغار جداً وكل من صنف في مخيمات ال (إس إس) على أنه غير قادر على العمل، لكن وعلى الرغم من ذلك وحسب فاكسمان فإن اليهود قد شكلوا فقط ثلث عدد سكان المخيمات.
كانت المخيمات/المعسكرات للرجال، لكن في أواخر الثلاثينات تم افتتاح مخيمات جديدة للنساء وذلك في رافنزبورك التي تقع على بعد 50 ميلاً شمال برلين. في كتابها الجديد الصحفية ( سارة هيلم Sarah Helm) تروي تاريخ هذا المخيم/المعسكر من البداية وحتى النهاية إلى جانب العديد من قصص السجناء. على الرغم من أنه عمل غير أكاديمي إلا أنه يقوم على مقابلات شاملة وواسعة النطاق ويبحث أرشيف 12 دولة، كما أنه عمل قائم على معرفة شاملة للأدبيات الموجودة ومقابلات مع الناجيين. إنه عمل يستحوذ على الانتباه ويثير الرعب ويحرك المشاعر تحديداً عن الحديث عن أعمال المقاومة في المخيمات. مثل (فاكسمانWachsman ) ترفض (هيلم Helm) وجهة النظر الشائعة بأن المعتقليين قد قبلوا وبشكل سلبي مصيرهم في المعتقلات.

افتتح (رافنزبورك) في مايو/ أيار عام 1939 كمكان لإيواء حوالي ألف إمرأة من السجناء الذين تم نقلهم من منشأت أخرى، وخصوصاً من معسكر سابق خاص بالسجينات يقع في ليشتنبيرغ. ضم هذا المخيم النساء الشيوعيات ومعارضات النازية الأخريات، كما أنه ضم المومسات، وملوثي العرق الآري، وكاسري/متجاوزي القيم وصغار المجرمين والغجر. بالمتوسط كان حوالي 10% من سكان المخيمات/معسكرات الإعتقال يهود. في عام 1941 ارتفع عدد السجناء بشكل مطرد ليصل إلى7000 وذلك مع وصول المزيد من السجناء من بولندا والبلدان الأخرى التي وصلتهاالقوات النازية. بحلول نهاية الحرب ومع التوسع في الإنتاج الحربي وافتتاح المزيد من المخيمات الفرعية بلغ مجموع المعتقلين 45.000، وكان هنالك مخيمات فرعية أخرى للسجناء الذكور.
في البداية كانت الأوضاع في (رافنزبورك) أفضل من الأوضاع في مخيمات الذكور، وكان العمل مقتصراً على الخياطة وإنتاج بعض لوزام الحرب بدلاً من العمل الشاق، وكانت العناية بالنظافة أفضل، والظروف أقل سوءاً. لكن كما في أماكن أخرى بدأ الوضع بالتدهور أثناء الحرب. بعد عمليات الإجلاء التي تضمنت إطلاق سراح 7500 من السجناء والتي حصلت نتيجة لمفاوضات الدبلوماسي السويدي الكونت فولك برنادوت، بقي حوالي 3000 إمرأة في المخيم يعانين من الهزال والمرض مع وصول الجيش الأحمر في نهاية آبريل/نيسان عام 1945. كانت حالة السجناء يرثى لها، كانوا حليقات الرؤوس، وسلب المرض أجسادهن وكل أثر للأنوثة كما تشير ( هيلم Helm) إلا أن ذلك لم يمنع الجنود من اغتصاب عدد كبير منهم.
في فترة وجود (رافنزبورك) ضم ما يقارب 130.000 إمرأة، يعتقد أن ما لا يقل عن 30.000 منهن قد ماتوا أو قتلن عمداً. جاءت النساء من بلدان عدة، وكان من بينهم 40.000 من بولندا، 18.000 من روسيا، 8.000 من فرنسا، 1000 من هولندا، وأعداد أخرى من جنسيات أخرى. وقد تم اختيار بعض النساء لأغراض التجارب الطبية: تم تحطيم عظامهن، أو عمل فتحات صغيرة في السيقان والحقن بمواد مميتة، وبكتيريا الغاز أو المكورات العنقودية قبل حقنها مع السلفوناميدات، تميهداً لوضع مضادات حيوية لمعرفة إذا ما نجح العلاج أم لا. في نهاية الحرب القائد السابق لمعسكر أوشفيتز (رودولف هوسRudolf Höss) وصل مع طاقم من مخيمه القديم من أجل إنشاء غرفة غاز متنقلة والتي وضع فيها عدداً غير معروف من السجناء حتى الموت.
لا تحصر ( هيلم Helm) نقاشها حول التجارب القاسية التي عاشتها السجينات، بل تتحدث أيضاً عن تفاصيل مثيرة للاهتمام تتعلق بالحارسات ومسوؤلات المخيمات/المعسكرات، تقول أنهن كن شابات، ولا توجد لديهن خبرة، ولم يكن سعيدات بأن تم انتدابهن/ إرسالهن إلى هنالك من قبل المنظمات النسائية النازية التي كن ينتمين إليها. في وقت لاحق وخلال الحرب كانت الشركات التي أخذت السجينات كعاملات قسرياً/سخرة قد تولت أمر الحراسة بنفسها والتي سرعان ما أصبحت مرادفاً للفساد واستباحة المحرمات والوحشية.

في دراستها البحثية الدقيقة عن (مايدانيك) في النصف الثاني من الحرب تضع (إليزا مايليندر Elissa Mailänder) سلوك ودوافع 28 من النساء حارسات السجون تحت الفحص/التوثيق الدقيق، حيث تستخدم المذكرات والمقابلات المصورة ومحاكمات ما بعد الحرب وغيرها من التسجيلات وذلك لإظهار كيف أن استعمال القوة غير المحدودة على السجينات ساهمت في تعريف النظام بشكل أدق والذي كان يستخدم الدعاية والضغط لإيصال رسائل ونتائج تعزز من ولاء وانتماء المرأة للأيديولوجيا النازية.
جلب التسلسل الهرمي القسري للمخيمات المزيد من الحارسات خلال وقت قصير، وبدأن في إساءة معاملة السجينات من تلقاء أنفسهم. معظم النساء كانت خلفيتهن من أسفل الطبقة المتوسطة، ومعظمهن كن ممرضات. باستخدام مواد مقارنة من مخيم/معسكر (رافنزبورك) تجادل (مايليندر Mailänder) أن القسوة والوحشية مشتركة تتكرر في جميع الحالات. غالباً ما كان ينظر إليها في المخيلة الشعبية على أنها أنثوية، أعطى هذا أكثر الحارسات الساديات هالة من السحر، في حين أن العنف الخام/الخالص والصارم كان ينظر إليه كعمل ذكوري، الأمر الذي سبب/ أدى إلىأن يعتبر السجناء من ألحق بهم هذا العذاب قبيحين وغير جذابيين. تلخص (مايليندر Mailänder) أنه في كل من (رافنزبورك ومايدانك) “كان يعتبر عنف النساء شيء استثنائي”. في محاكمات ما بعد الحرب، وفي مثل حالة (إيرما غريس Irma Grese) “الوحشة الجميلة” كان ينظر إلى أن إلى النساء الحارسات العنيفات على أنهن كائنات مشوهة، وغير أنثوية، وغير طبيعية، كما أنهن ذوات غريبة الأطوار أثارت انبهار الصحافة الدولية بشكل غريب. ومع ذلك فإن التمييز بين العنف والقسوة ليس أمراً سهلاً، وعموماً فإن أطروحة (مايليندر Mailänder) ليست مقنعة تماماً.

صدمت أهوال المعسكرات الرأي العام العالمي وذلك عندما دخلت قوات الحلفاء عقب نهاية الحرب وكشفت عن مداها الكامل. يبين مؤرخ المحرقة/الهولوكوست دان ستون في كتابه الجديد “تحرير المخيمات/المعسكرات- The Liberation of the Camps” كيف أصيب جنود الجيش الأحمر بالهلع عند اكتشافهم أكوام الجثث المتناثرة على أراضي المخيمات/المعسكرات، ومعاناة الناجين من الهزال والمرض والقمل. الطريقة التي عامل بها السكان الألمان قوات الحلفاء أثارت سخطهم وغضبهم، الأمر الذي استخدم لاحقاً لتبرير عمليات العربدة والاغتصاب والقتل التي انغمس بها هؤلاء الجنود. أما في غرب ألمانيا فكان أكثر ما فعلته قوات الحلفاء هو إجبار المدنيين الألمان على زيارة المخيمات/المعسكرات ليطلعوا على نتائج الحكم النازي بأنفسهم، وفي بعض الحالات تم إجبارهم على دفن الموتى، والمشاركة في عمليات التنظيف.
كما يلاحظ ستون في كتابه – وهو أول دراسة مقارنة عن الموضوع- أن مخيمات الإبادة التي كانت موجودة في شرق ألمانيا لفترات طويلة قد حرفت التصورات العامة في الغرب. عندما حرر السوفييت المعسكرات وجدوا عدد قليل نسبياً من السجناء، إما لأنهم قتلوا أو لأنه تم إجلائهم من قبل النازيين. وهكذا كانت الغالبية العظمى من الناجيين من المخيمات التي حررها الغرب، وكانت قصصهم هي التي أنتجت الصورة التي عرفت عن المخيمات فيما بعد. لم يشجع النظام السوفياتي قواته على الحديث بصراحة عما وجدوه، وقدّم جرائم النازية على باعتبارها جرائم ضد مواطني أوروبا الشرقية وليس ضد اليهود على وجه التحديد. في السنوات التي تلت الحرب مباشرة تم دفع معسكرات الإبادة وجرائم الإبادة الجماعية ضد اليهود عموماً إلى هامش الوعي العام.
يشير ستون إلى أن التحرير لم يكن دائماً هو قضية، أو ما يهم الحلفاء القادمين إلى بوابات المخيمات والذين يتم استقبالهم بهتاف السجناء. كان هنالك العديد من المواجهات الأكثر إحراجاً والتي حصلت بعيداً عن المراكز الرئيسية، خاصة عندما ذهب السجناء بعيداً. في بعض الأحيان أعيد اعتقال السجناء الألمان من قبل قوات الحلفاء فور وصولهم. كان التحرير أيضاً عملية تدريجية. تم نقل السجناء الذين نبذوا الحياة الطبيعية إلى معسكرات المشردين ليقرروا ما الذي يمكن فعله لبقية حياتهم. لم يتمكن الكثير منهم التعافي رغم جهود الفرق الطبية التابعة لقوات الحلفاء. شعر آخرون بالذنب كونهم لا يزالون على قيد الحياة، بينما بدأ آخرون عملية بحث يائسة عن أقاربهم المفقودين، والذين كانوا قد لقوا حتفهم حسبما تشير كافة الاحتمالات.

مع ذلك فإن منهج ستون يحمل بعض المشاكل. العنوان الفرعي لكتابه ” The End of the Holocaust and Its Aftermath- نهاية المحرقة وعواقبها”. يثير السؤال حول إلى أي مدى يمكن اعتبار المخيمات بشكل عام أنها تندرج “المحرقة” كمفهوم، وهو يدرك بالطبع حقيقة أن اليهود لا يمثلون سوى نسبة قليلة من سجناء المخيمات. لكن، من الناحية العمليّة هناك خلط باستمرار بين فئتين، يشير إلى “سجناء المعسكرات اليهودية” وكأنهم جميعاً كانوا هناك. يقول ستون أن هنالك ضعف في التمييز بين قتل اليهود وبين وظيفة معسكرات الإبادة لأن اليهود الذين تم إخلاؤهم من المعسكرات شرقي ألمانيا في “مسيرات الموت” انتهى بهم المطاف في مخيمات غرب ووسط ألمانيا التي حررها الحلفاء، مع ذلك فقد كان هناك الكثير من غير اليهود في تلك المخيمات/المعسكرات كما يشير (فاكسمان Wachsmann) و (فونشمان Wünschmann) على حد سواء.

كانت الإبادة الجماعية لليهود موجهة ضد ما يعرف ب “عدو العالم” والذي حاول النازيون إبادة أفراده أينما كانوا. كان قتل اليهود جزءاً واحداً، وجزءاً فريداً من نوعه ضمن برنامج أوسع بكثير للقتل الجماعي. على سبيل المثال، وضع “مسؤول الخطة العامة للشرق” تصوراً أن القتل المتعمد ل 45 مليون شخص من (Slavs) في أوروبا الشرقية، قد يسهل الطريق للتوسع والاستيطان الألماني. ستون أخطأ في تمييز وتوضيح جانب مهم في مشهد القتل الجماعي وذلك عندما يدعي “أن على مدار الحرب قد قتل حوالي 3 ملايين من الأسرى السوفيتيين في معسكرات “إس إس”. لكن في الواقع (ومن خلال مصدر يشير إليه بوضوح) أن هؤلاء الجنود/الأسرى قد قتلوا للأسف من قبل الجيش الألماني العادي وليس في معسكرات “إس إس”ـ وهذا ما أحبط خطة هيملر باستخدامهم كعمال سخرة. لم تكن “SS” وحدها من ارتكبت القتل الجماعي باسم الشعب الألماني، ولم يكن اليهود وحدهم الذين قتلوا خلال تلك الحرب.

واحدة من السمات المثيرة للإهتمام في كتاب ستون أنه لا يتعامل فقطمع تجربة التحرير، بل أيضاً يأخذ بعين الاعتبار وجهة نظر السجناء وأفراد المخيمات. يتحدث ستون عن القادة النازيين الذين قتلوا من قبل قوات الحلفاء التي كشفت عن حقائق رهيبة تتعلق بالمخيمات في الأيام والأسابيع الأخيرة من الحرب، تعرض بعضهم للضرب حتى الموت من قبل السجناء الغاضبين ، كما ألقي القبض على عدد منهم وتم تقديمهم للمحاكمة. معظم الناس يعرفون أن قادة الرايخ الثالث الباقون قد تمت محاكمتهم عسكرياً في نومبرج قبل انعقاد المحكمة العسكرية الدولية في الفترة ما بين 1945- 1946 وأن عدداً كبيراً منهم بما في ذلك رئيس سلاح الجو الألماني ” Luftwaffe” والرجل الثاني في الرايخ الثالث (هيرمان غورينغ Hermann Göring)، ووزير الخارجية الأسبق (يواخيم فون ريبنتروب Joachim von Ribbentrop (و (هانز فرانك Hans Frank)، الحاكم النازي لبولندا قد وجدوا جميعهم مذنبين وحكم عليهم بالإعدام.

المحاكمات الأقل شهرة هي المحاكمات الإثني عشرة المختصة والتي حوكم فيها كبار القضاة النازيين، والصناعيين والأطباء وغيرهم. وبالكاد بقي أي أثر بالذاكرة العامة حول وجود عدد كبير من المحاكمات والتي عقدت في الغالب بالفترة الواقعة بين 1946- 1949 للموظفين العاديين في النظام النازي، بما في ذلك أفراد من معسكرات الإبادة والاعتقال. عقدت بريطانيا وحدها 358 محاكمة في المنطقة التي احتلتها من ألمانيا، وهو ما أدى إلى إدانة 1085 شخصاً، حكم على 240 منهم بالإعدام، تم تنفيذ مئتين حكم بشكل فعلي. أما المحاكم العسكرية الأمريكية فقد كانت سلسلة مطولة تتكون من 489 محاكمة وذلك في معسكر (داخاو). لم تكن المحاكمات الأمريكية في معظمها متعلقة أو على اتصال مباشر بجرائم حصلت في مخيمات الإبادة، استمرت هذه المحاكمات لمدة ثلاث سنوات أسفرت عن إدانة 1416 شخص خدموا في الصف السفلي/الأخير من الرايخ الثالث. بالإضافة إلى ذلك تمت محاكمة أكثر من ألفي مجرم حرب في المنطقة الفرنسية. نصت الاتفاقيات على أن المجرمين يجب أن يحاكموا في المناطق التي كان يوجد بها مكاتب للحزب النازي، مما أدى إلى عقد مزيد من المحاكمات في البلدان التي احتلها الألمان سابقاً مثل: إيطاليا، النرويج، بولندا. في الفترة ما بين 1945- 1949 تم تسليم وإدانة أكثر من ألفي ألماني بما في ذلك القائد السابق لمعسكر أوشتفيز (رودولف هوس Rudolf Hoss).

القليل من هذه المحاكمات لا زالت تذكر على نطاق واسع. لاقى كتاب ” Forgotten Trials of the Holocaust- محاكمات المحرقة المنسية” والذي قام بتأليفه الباحثان القانويين ” Michael J. Bazyler and Frank M. Tuerkheimer” موضع ترحيب كبير. بطبيعة الحال كانت بعضاً من هذه المحاكمات موضوعاً للبحث العلمي. جمع هذا الكتاب كل المحاكمات معاً وأبرز التناقض في الأنماط المختلفة للمحاكمات التي عقدت، وهذا ما يشكل خدمة للطلاب والباحثين القانونيين. الإلتزام الإنجليزي في الإجراءات القانونية الواجبة على سبيل المثال كان يتناقض مع حالة عدم الاكتراث الفرنسي في قضية (بيير لافال Pierre Laval). القلق الأمريكي حول الأدلة في محاكمة قوات المهمات (أينزاتسغروبن Einsatzgruppen) كان مختلفاً بشكل ملحوظ عن ضيق الرؤية للمحكمة الألمانية في حالة أوشتفيز.
على الرغم من عنوان الكتاب، إلا أن المحاكمات التي يغطيها لا تشمل جميع المشاركين في عمليات القتل الجماعي لليهود الأوروبيين. محاكمة )لافالLaval ) رئيس وزراء نظام فيشي في فرنسا، بعد الهزيمة الألمانية للجيوش الفرنسية عام 1940، كانت حول مكيدة/مؤامرة مزعومة لتقويض الجمهورية الفرنسية والخيانة والتعاون مع العدو، ولم تكن المحاكمة حول دوره في ترحيل وقتل اليهود الفرنسيين التي ورد ذكرها في الدعوى، لكن لم تكن على لائحة الإتهام. كما كانت محاكمة حراس “إس إس” وغيرهم من الناس في مواقع السلطة ومعسكر داخاو عن انتهاكهم لقوانين الحرب من خلال سوء معاملة السجناء المدنيين والعسكريين غير الألمان. بالإضافة إلى ذلك، كانت المحاكمة في هامبورغ ل 38 من أفراد معسكر رافنزبورك أيضاً حول تهم مماثلة، مع إضافة التهم حول التجارب الطبيّة القاسية وغير القانونية على السجناء.

بدأ Bazyler and Tuerkheimer بداية جيدة، على الرغم من أنها محصورة قانونياً، إلا أنهلا يزال هنالك الكثير ليتم اكتشافه عن مجموعة واسعة من المحاكمات التي حصلت بعد الحرب. تخبرنا هذه الكتب مجتمعة عن مجموعة هائلة من جرائم النازيين وتذكرنا مرة أخرى بالأمور الأخلاقية التي غاصوا بها. دراسة (فاكسمان Wachsmann) الهائلة سوف تصبح حتماً مجلداً ذو معايير عالية تروي تاريخ معسكرات الاعتقال النازية لسنوات قادمة.

إدراج كل هذه الجرائم في إطار مفهوم “المحرقة” هو بمثابة تضييق لرؤيتنا على نحو غير ملائم، وتقييد لقدرتنا على متابعة جرائم مماثلة في المستقبل. كما يشير/يصرح المحاميان: “إنه لأمر مأساوي أن مسببات/ محفزات محاكمات الإبادة الجماعية والفظائع الجماعية الأخرى لا تزال موجودة، ذلك أن المعاملة الوحشية للسكان المدنيين، والسرقة على نطاق واسع، والاغتصاب، وتقطيع أوصال الشعوب “التهجير” ليس مجرد مقالة تاريخية قصيرة، بل هي جزء من الأخبار اليومية حالياً.” أخيراً، يستنتجان في ملاحظة يسودها تفاؤل حذر: “أفكار الأربعينات قد تطورت إلى نظام من العدالة يتعامل مع هذه الجرائم”، و “هذا هو التطور الذي حصل منذ سبعين عاماً.”

نشرت هذه المراجعة لأول مرة في (The New York Review of Books) بتاريخ9 تموز، 2015، وتتضمن مراجعة وعرضالكتب التالية:

KL: A History of the Nazi Concentration Camps
by Nikolaus Wachsmann
Farrar, Straus and Giroux, 865 pp.

Before Auschwitz: Jewish Prisoners in the Prewar Concentration Camps
by Kim Wünschmann
Harvard University Press, 367 pp.

Ravensbrück: Life and Death in Hitler’s Concentration Camp for Women
by Sarah Helm
Nan A. Talese/Doubleday, 743 pp.

Female SS Guards and Workaday Violence: The Majdanek Concentration Camp, 1942–1944
by Elissa Mailänder, translated from the German by Patricia Szobar
Michigan State University Press, 405 pp.

The Liberation of the Camps: The End of the Holocaust and Its Aftermath
by Dan Stone
Yale University Press, 277 pp.

Forgotten Trials of the Holocaust
by Michael J. Bazyler and Frank M. Tuerkheimer
NYU Press, 374 pp.

evans_2-070915_jpg_600x608_q85

Heinrich Himmler with a political prisoner in the Dachau workshops during an official inspection of this ‘model’ camp, May 8, 1936

Advertisements

2 responses to “عن تشريح الجحيم

  1. العنوان “قوي”!

    شكراً للترجمة والمشاركة.

    لفت نظري الفقرة التي تبدأ ب “كانت الإبادة الجماعية لليهود موجهة ضد ما” ، أتصور أنها كانت صعبة الترجمة!

    • عفواً 🙂
      الترجمة صراحة كانت نوعاً ما صعبة، جربت قد ما أقدر إني أنقل المعنى متل هو بحيث ما يضيع المعنى الأصلي ولا يكون المعنى بالعربي صعب ع القارئ.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s